حوارات — 30 أبريل 2011


الدكتور ماستيف ماركيز من أبرز الباحثين الشباب  المتخصصين في منطقة شمال إفريقيا، درس بعدد من الجامعات و مراكز البحث  العالمية باوربا و أمريكا، و  كان من أول الباحثين الذين اشتعلوا حول العمل السياسي الافتراضي من خلال جماعات الضغط داخل الشبكة العنكبوتية . شارك في عدد من البحوث و الدراسات و الخبرات المتعلقة بأزمات و نزاعات من قبيل الحرب الأفغانية و مشكلة اللاجئين، ثم حول العراق، فالصومال. في هذا الحوار يساهم ماركيز في النقاش الدائر داخل الساحة المغاربية برأيه حول خصوصيات التجارب  بالمنطقة و إشكالية التغيير الديمقراطي.

أجرى الحديث و ترجمه: محسن بلوطة- ميلانو

  • الصراع الحقيقي هو حول موضوعين: إعادة توزيع الثروات، و ضرورة ترشيد الربح الذي تقوم عليه الطبقات الغنية الجديدة، إن لم نقل البورجوازية الكومبرادورية على حد تعبير ميلتون سانتوس، ثم مشكلة، التوزيع المفرط للمناصب و المسئوليات- و استعير هنا عبارة سمعتها في باريس من أحد المتثقفين المغاربة-  على أساس الميديوكراسي Mediocratie و ليس الميريثوراسي Meritocratie
  • التنظيمات الإسلامية تقوم  بمراقبة معالم الخريطة السياسية لما بعد المرحلة الانتقالية بتونس و مصر.
  • من المفارقات العجيبة في الحراك الأخير الذي يعيشه العالم العربي، أنه خلال الانتفاضات الشعبية الأخيرة نجد جزءا هاما من الشارع العربي الذي ذاق محنة الحكم العسكري، يتمنى التحالف الجيش من أجل إقرار الديموقراطية
  • في الجزائر، الوضع أكثر تعقيد، لأن فعاليات المجتمع الجزائري تعلم أن التمرد الشعبي ضد النظام معناه المواجهة المفتوحة مع الجيش، مادامت نخب  الجيش هي التي تتحكم في دواليب الدولة. و من تم فالمهمة الصعبة هي فك الارتباط بين الجيش و مخابراته العسكرية التي يتحكم فيها الجنرال توفيق مدين و أعوانه.

س: كمتتبع للتحولات التي يعيشها المشهد السياسي في العالم العربي، هل تظن أن هذه الثورة العامة هي  متشابهة أثارها و أبعدها في كل العالم العربي؟

ج: لقد كانت أحداث تونس من الأهمية و الخطورة، بحيـث خلقت حالة من الترقب في كل دول المنطقة العربية  بما قد تؤديه هذه الأحداث من تداعيات على   نظم الحكم و على المناخ الإقليمي في آن واحد.  و إذا كان  التحليل المقارن يدعم أطروحة اختلاف الظروف  بين دولة و أخرى مختلفة على مختلف الأصعدة الاقتصادية والثقافية، و كذا الاختلافات في علاقات السلطة وقواها الأمنية بالناس، واختلافات في علاقات الناس بالجيش في البلد المعني، وفي الوقت نفسِه علاقات المؤسسة العسكرية بالنظام من جهة، وبالجهات الإقليمية والدولية من جهة ثانية. لكن حين نقول بأنه لن يتم إعادة إنتاج ما حث في تونس ثم في مصر في كل الدول العربية فإننا نتحدث عن نتائج الحراك و ليس عن الحراك نفسه، مادام الشارع العربي يتفاعل و ينفعل و يكيف أساليب احتجاجاته وفقا لهذه الخصوصيات.  ففي الجزائر مثلا، يعلم كل النشطاء أن أي شعار من قبيل إسقاط النظام، سيضعهم وجها لوجه مع الجيش و أجهزته المختلفة التي تتحكم في المشهد السياسي منذ بداية التسعينيات، أما في اليمن، فالدولة شهدت حالة من التفكك منذ بداية الألفية الثانية، أصبح معها نموذج الصومال قريب التحقق، و من تم تبدو مهمة أي تغيير معقدة و صعبة لأنها ستضطر إلى إعادة بناء الدولة و ليس النظام فحسب. و في الأردن، الوضع يختلف مع الملكية الهاشمية، و بدونها، ستقف البلاد على متاهات التوازن السكاني بين المواطنين الأردنيين، و المواطنين <الشرفيين > المنحدرين من المخيمات الفلسطينية. كما الحال في البحرين، حيث التوازن السكاني بين المواطنين و الوافدين، و الشيعة و السنة، ثم بين النظام السياسي الملكي كلها  عوامل ستجعل من تداعيات الحراك مختلفة تماما عما حدث في مصر أو تونس.  و في حالة المغرب، يبدو الدور التحكيمي للملك حاسما في رد الاعتبار للشارع في حال انفجاره ضد السياسات الاقتصادية و الاجتماعية و الأداء السياسي الحكومي

لكن في نفس الآن و على  الرغم من هذه التباينات لا ينبغي أن نغض الطرف عن االقواسم المشتركة بين سائر البلدان العربية، خاصة   خضوع هذه البلدان جميعا للعولمة الاقتصادية، وما أدّت إليه من إخفاق  تنموي  و ارتفاع معدَّلات الفقر والبطالة، و تخلي الدولة عن مسئوليتها في رعاية الحقوق الاقتصادية الأساسية للمواطنين خاصة في قطاعي الصحة و التعليم. أضف إلى ذلك، الإجهاز الأمني في عدد من الدول على الحقوق المدنية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب منذ حوالي عشر سنوات، و دخول بعضها في حالة طوارئ مزمنة.

في الواقع إن هناك حاجة ملحة للتفكير في الانعكاسات الخطيرة لما حدث على مستقبل مسألة إعادة بناء الدولة و سبل تفادي عناصر تفككها  الدولة وآفاق التعمير في الحالات التي شهدتها المؤسسات المالية و الإدارية و في مقدمتها مؤسسة الأمن و الداخلية،ثم انعكاس كل ذلك على المناخ الإقليمي و مدى إمكانية التنبؤ بانهيارات كلية أو جزئية في بلدان معينة قد لا تكون السعودية و لا الأردن بل السودان و اليمن مثلا.

س: كثيرة هي التكهنات التي رشحت الجزائر و المغرب لتصدع سياسي مماثل لما حدث في تونس و مصر، فإلى أي حد  قد تصدق هذه التوقعات، التي بدا كثير منها من باب التمني  لدى معارضين يعيشون خارج البلاد أو من بقايا شتات اليسار المتطرف و ليس من باب التمحيص الدقيق لشروط و إمكانيات كل مجتمع.

ج: إذا كان سقف الاحتجاجات الشعبية القصوى في المغرب لا يتجاوز سقف إسقاط الحكومة، تحسين شروط الأجور و سوق الشغل،إضافة إلى تعزيز الإصلاحات من أجل محاربة الفساد المالي و المحسوبية. إذا كان التقدير العام للمغرب يظل في حدود  هذا السقف، فإن الحالة الجزائرية تبدو أكثر تعقيدا، و تختلف بدرجات متفاوتة مع الحالة  المصرية و التونسية و المغربية خاصة.

ذلك أن  الحالة الجزائرية تعيش  معوقات للتحول الديمقراطي التفصيل تتمثل في عقدة فشل أول انتخابات تعددية  حقيقية  أفرزت وصول  قوة سياسية معادية أيدلوجيا لسلطة الحكم ،مما  دفع بقيادة جبهة التحرير إلى الالتفاف على التجربة و إجهاضها ليتحول مشروع الانفتاح  إلى أرضية ارتفاع للعنف السياسي و الدخول في حرب أهلية.

ثم هناك بنيويا  سيطرة جهاز الجيش على آليات صنع القرار بالجزائر بعد مرحلة الأزمة الأمنية 1991-  1999 و هي الفترة التي حسمت الصراع بين مختلف القيادات السياسية لصالح  المؤسسة العسكرية للانتقال من دور ضابط للحراك السياسي إلى صانع له ، حيث تم اللجوء إلى تفكيك كل المؤسسات الرسمية للدولة ( المدنية تحديدا) وإعادة تشكيلها في صيغة تبرر الدور الجديد للمؤسسة العسكرية إلى غاية ما يسمى باستكمال البناء المؤسساتي للدولة مع الانتخابات التشريعية والمحلية لسنة 1997 حيث كانت هناك حاجة بالمقابل إلى نفي الطابع العسكري عن نظام الحكم في الجزائر في وضع تكاثفت فيه الضغوط الدولية حول تحديد المسؤوليات في النزاع الداخلي . ثم من خلال اعتماد نظام الهيمنة على المواقع المباشرة للسلطة حيث عملت النخبة العسكرية المسيطرة على تأييد نظام سياسي يتصور انه قادر على تحقيق المصلحة القومية وإمداده بالتأييد المناسب لفتر طويلة من الزمن مع نقل مركز السلطة من الجيش على جهاز المخابرات العسكرية.

عموما عندي انطباع بأن الرأي العام العربي، و خاصة في منطقة المغرب العربي،  يرى أن الصراع الحقيقي هو حول موضوعين: إعادة توزيع الثروات، و ضرورة ترشيد النهم التي تقوم به الطبقات الغنية الجديدة، إن لم نقل البورجوازية الكومبرادورية على حد تعبير ميلتون سانتوس، ثم مشكلة، التوزيع المفرط للمناصب و المسئوليات- و استعير هنا عبارة سمعتها في باريس من أحد المتثقفين المغاربة-  على أساس الميديوكراسي Mediocratie و ليس الميرثوراسي Meritocratie

س: هناك من يعتبر مرحلة بوتفليقة، الأكثر خضوعا للمؤسسة العسكرية، بعد ضعف الجبهة  الوطنية للتحرير ؟

ج:      سيطرة المؤسسة العسكرية على مؤسسة الرئاسة، شهدت تطورا خلال عدة حقب سياسية في تاريخ الجزائر الحديث. فحين وصول محمد بوضياف و تعيينه  رئيسا  يمارس صلاحياته خلال الصلاحيات الدستورية التي يكفلها الدستور الجزائري لسنة 1989 ، وجد الرجل نفسه أمام صدام انتحاري مع الجيش   حسمه الجيش بتصفية الرجل الذي لم يكن قادرا على خلق توازنات بينه و بين الجيش. ثم تلت هذه المرحلة، مرحلة  تفعيل المجلس الأعلى للدولة الذي كان ينوي إعادة بناء مؤسسات المدنية للدولة    و نفي الطابع العسكري عن نظام الحكم رغم احتلال النخبة العسكرية للمواقع السلطوية المباشرة فيه ، لكن خلال هذه المرحلة، ما حدث هو الحفاظ على المجلس الأعلى كتمثيل رمزي لسلطة مدنية دستورية رغم حفاظ الجيش على مواقع في  ممارسة الحكم. و هنا  تأتي فترة اليامين زروال  الذي احتج عن استمرار هذه الوضعية بتقديم استقالته من موقع رئاسة الجمهورية، حيث كان دور الرجل في هذه المرحلة هو تحسين صورة الجزائر الخارجية، لكن تأثره بالافتقار إلى  آليات ممارسة السلطة، طبعا  تحت التأثير الطاغي لنفوذ المؤسسة العسكرية مما دفع به إلى الالتجاء إلى نوع من الاستقالة الاحتجاجية. ثم جاء فترة الرئيس بوتفليقة  ليلعب دور  الناظم للتزامن بين النخب المدنية و الجيش، و هو ما يشرح جهوده في بداية حكمه  بهدف تمكين لمؤسسة الرئاسة من استرجاع مكانتها داخل نظام الحكم الجزائري، لكن تأثير  المؤسسة العسكرية والصراع على مراجعة الأدوار نتج عنها انقسام المؤسسة العسكرية بين فريق يدعو إلى الاستمرار في اعتماد نظام الهيمنة من خلفا للحفاظ على اكبر حجم من النفوذ لهذه المؤسسة في ممارسة الحكم ، وبين فريق يرى حجم العزلة الدولية الذي ساد آنذاك اتجاه الدولة الجزائرية نتيجة الممارسات الستالينية للنظام العسكري في الجزائر ، و هو الصراع الذي انتهى بتعديل دور المؤسسة العسكرية داخل نظام الحكم، و الانتقال من نظام الهيمنة إلى اعتماد النظام المعتدل حيث تبقى النخبة العسكرية في موقع يمكنها من ممارسة يكون فيه تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم ذو طبيعة سياسية عالية في شكل جماعة ضاغطة على منصب الرئاسة .

و لكن ما حدث خلال الولاية الأولى لبوتفليقة، هو انحراف التوازن لصالح  المخابرات العسكرية التي سيطرت على دواليب الحكم و الاقتصاد  في الجزائر بصورة لم يعد مها من الممكن التمسك بالدستور كسند لممارسة السلطة لان هناك إدراك عميق لوجود دستور افتراضي صنعته النخبة العسكرية لتسيير  شؤون الحكم ، مما يفسر عدم اهتمام الرئيس بوتفليقة بإجراء تعديلات دستورية لتوضيح طبيعة النظام السياسي الجزائري مع بداياته الأولى لممارسة الحكم رغم اعترافه أن دستور 1996  فيه الكثير من الاختلالات .

من هنا و  بأخذ وضع الاحتقان الاقتصادي و الاجتماعي للجزائر  في الحسبان، تبقى سيناريوهات الانفجار الشعبي بالجزائر أكثر سلبية و ربما أكثر دموية. ذلك أن الجيش إلى الآن يعتبر في رأي الشارع الجزائري طرفا شريكا في الحكم مع جبهة التحرير، و هو ما يعزز فرضيتين اثنتين: الأول يحسم بفك  الارتباط بين الجيش و  جهاز مخابراته و عزل الأخيرة عن دواليب صنع القرار مباشرة، ، على اعتبار الجيش فوق كل صراع أو خلاف حول السلطة، و ليس من مصلحته أن يتواجه ضد الشارع الجزائري الغاضب. أو السيناريو الثاني الأسود،  المتمثل في  أن يحافظ الجيش و مخابراته على مواقعهما و تحالفاتهما مع جبهة التحرير، ستخلق مأزقا قد يتحول إلى صراع دموي قد ينقل البلاد من جديد إلى حرب أهلية ثانية.

س: و ماذا عن احتمال وصول هذه الزوابع للمغرب، أم أنط ترمن أيضا بالخصوصية المغربية؟

ج: يمكننا  وضع  المغرب في سياق تداعيات ما يحدث اليوم من ديناميكية شعبية في العالم العربي كبلد حقق أكثر من غيره جهودا في طل المجالات و القطاعات سياسية و حقوقة و اقتصادية، و هو ما يعطيه مناعة خاصة، لكنها تحتاج إلى عات قوبة  للحفاظ على فاعليتها. فالشارع المغربي  يحمل في قناعاته تقييمات  إيجابية لحهود العاهل المغربي في مجلالت الإصلاح التنموي و الحقوقي.

لكن الشارع يؤاخذ على الأداء السياسي في البلاد  وجود وثيرة بطيئة في أداء الحكومة  للإصلاحات بشكل  لا يتناسب مع الاكراهات الاجتماعية خاصة في مجال الشغل، و التأمين الصحي و السكن و  التعليم. أضف إلى ذلك وجود تقييم سلبي لأداء مؤسسة القضاء و الدعوة إلى إصلاحها.

على هذا الأساس،  فإذا ما  كان هناك غضب للشارع على منوال ما حدث في عام 1984 بالمغرب ، أو ما قد يشبه حالة الغضب في تونس أو مصر، فإن الغضب سيكون  تدريجيا و ليس بركانيا، وما لم تقم الحكومة بإصلاحات فسيتم حسم الصراع  طبيعيا لصالح الشارع سواء بفرضه لمطالب الشارع ضد سياسات الحكومة و ربما إسقاط الحكومة الحالية، و إعادة جدولة  انتخابات  مبكرة لا تنتظر إلى صيف 2012. أو سيكون الحسم بتدخل مؤسسة الملك ليلعب دوره التاريخي كحكم بين الأطراف المتصارعة، و هو سيناريو قد يسير في اتجاه حل الحكومة.

و عموما ففي أسوأ السيناريوهات ،  سيكون في رأيي الدور التحكيمي للملك حاسما في رد الاعتبار للشارع في حال انفجاره ضد السياسات الاقتصادية و الاجتماعية و الأداء السياسي الحكومي .

س، هناك ضمن الحركات الاحتجاجية المغربية من يرفع شعارات معادية للمؤسسة الملكية؟

ج: حسب متابعتي هؤلاء عددهم ضئيل جدا، و هي ظاهرة ليست جديدة في المغربن في السبعينيات كان حركة إلى الأمام و 23 مارس، و الشبيبة الإسلامية ممن ينادي بشعارات معادية للملكية. اليوم نحن أمام ملك محبوب من طرف كل مكونات الشعب، و هو أيضا أكثر قربا إلى الشعب من كل الفاعلين الاقتصاديين أو السياسيين أو النخب. و هو قرب ليس رمزي فحسب بل ميداني، جسدته تحركاته  الإصلاحية طيلة السنوات العشر الأخيرة. أضف إلى ذلك، أن سقوط العقدية الإيديولوجية، جعلت وعي المغاربة الديموقراطي يتسع ليقبل بالمنظومات المتجانسة، و ليس بالحلول المستوردة على نمط التحارب الماركسية أو الخمينية.

أما عن مستقبل الملكية في المغرب من حيث هي مؤسسة سيادية، فأعتقد أن الانتقال السلس للحكم في المغرب بعد رحيل العاهل الحسن الثاني عكس في نظر عديدين صلابة المؤسسة الملكية في المغرب في وقت تطرح فيه تساؤلات قلقة بخصوص عملية انتقال السلطة في عدد من الجمهوريات العربية.

فالملكية في المغرب بعراقتها وصلاحياتها الدستورية الواضحة تخضع طبيعيا من عقد لآخر إلى نوع من الحراك الذي يعكس حيويتها حيوية المؤسسة الملكية وقدرتها على التجدد.

و لفهم هذه الديناميكية التي تعطي للمؤسسة الملكية صلابتها و استقرارها، لا بد من أن نميز بين ثلاثة أنواع  من الحراك: الحراك الإيجابي الذي  يحدث كل عشر سنوات ، يتم فيه مراجعة الانجازات و الإكراهات (1930، 1940، 1956، 1963،1975 ، 1981، 1993، 2001، 2011)، و يتم حسمه بإعادة تجديد عقد البيعة، و تحديد التعاقد بين الملك و رعيته. ثم هناك  حراك عضوي، يرتبط بمراحل نقل السلطة من ملك لأخر، كما حدث بالضبط خلال عام 1999، بعد وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، و هو حراك طبيعي، لأنه لا يقتضي  فقط تجديد عقد البيعة، و إنما إعادة هيكلة مؤسسة المخزن بما يتناسب مع شخصية و عقيدة الملك الجديد السياسية. و أخيرا هناك حراك ذو طبيعة سياسية-اجتماعية، يتدافع فيه الشارع مع الهيئات الحكومية التنفيذية و التشريعية،  يتم خلالها إدماج مؤسسة الملك ليقوم بدور التحكيم و حسم الاستحقاقات وفق مبدأ ضمان حقوق الرعية و الوطن.

س: ماذا عن مطالب الإصلاحات الدستورية التي يطالب بها بعض الذين ينوون النزول للشارع؟

ج:   الاستفتاء هو الحكم بين من يطالبون بها و بين إرادة الشعب.  فإذا كان لابد من تعديلات دستورية،   وهي ضرورية في رأيي فالأمر يدرس ثم يعرض على الشعب الذي سيختار إن كان الأمر يناسبه أم لا، و من تم أرفض شخصيا سواء في  بلدي أوفي  المغرب – بلد اختصاصي-   أن يتم اختزال المطالب الكبيرة مثل الإصلاحات الدستورية في لافتات جماعات ضغط صغيرة.  و حتى في حالة الاستفتاء على الإصلاحات الدستورية، فإنه من غير المقبول – ديموقراطيا-  أن تعرض البنود موضوع تعديل  في سلة واحدة لعرضها على الاستفتاء، لأن مواطنا ما ،  قد يكون ضد تغيير المادة 19 من الدستور، لكنهم مع تفويض صلاحيات أوسع للإدارة المحلية و الجهوية لشئونها أو العكس يكون مع تغيير الفصل 19 دون المساس بمنظمة التدبير الإداري الجهوي للبلاد. و عليه فيجب أن يكون هناك استفتاء عقلاني لا يتم فيه استعمال غسم الشعب كشماعة لتبريرات صراعات  جماعات الضغط الصغيرة.

س: هناك من يخشى من استغلال الإسلاميين لحالة الاضطراب التي يعيشها العالم العربي؟

ج: الإسلاميون اليوم – وبعد غياب طويل عن ساحة العمل السياسي –  يحاولون العودة من جديد إلى قيادة الشارع، ولكن الحقيقة التي ظهرت تجلياتها في الأحداث الأخيرة، أن هذا الشارع مكتظ بجيل شبابي نشأ وترعرع بعيداً عن أحضان الإسلاميين والعلمانيين، وينتمي إلى جيل يؤمن لشعار واجد هو الكفاءة أولا ضد المحسوبية ، و الحرية ضد كل أشكال الدوغمائية و التعصب

في تونس كان المشهد العام في حركة الاحتجاج هم الشباب، الذين لا توحي شعاراتهم ومطالبهم بأنهم مؤطرين إسلامياً، بل إن الكثير منهم بلا عناوين سياسية أو حزبية.. ومع اقتراب تحقيق الفوز لثورتهم أخذت تظهر وجوه سياسية وأحزاب تسعى – بقصدٍ أو بدون قصد – لقطف الثمرة.

ربما أدرك الإسلاميون والليبراليون في تونس أنهم بحاجة إلى العمل معاً لكسب التأييد والدعم الداخلي و الخارجي،

بالمقابل هناك اتجاه لدى مراكز صنع لقرار في العالم العربي،  نحو قبول مشهد الانفتاح على كل القطاعات الحزبية والسياسية بغض النظر عن شكل عباءتها الأيديولوجية.. حيث يتمَّ التراضي أن يكون عنوان المسيرة للجميع هو “الديمقراطية و الاستقرار لكن مع ذلك يبقى الحذر لازما. فكثير من المراقبين يخطئون حين يحسمون بأن قيادة الثورات الحالية لشباب الفايس بوك، تقطع الطريق أمام  الإسلاميين في الركوب على هذه التغييرات و لعب دور قيادي فيها. و عليه وجب التنبيه هنا، إلى أن  هذه التنظيمات الإسلامية تقوم  بمراقبة المعالم الخريطة السياسية لما بعد المرحلة الانتقالية بتونس و مصر. أي خلال الانتخابات القادمة في كل من تونس و مصر. و الواقع اليوم، أن هذه الرؤية ستشكل حالة إزعاج سياسية  ما لم تقم الأحزاب التقليدية بإعادة هيكلة و تجديد نفسها بما يضمن لها إعادة الثقة لدى الشارع.

س: ماذا عن دور الجيش في هذا المعترك؟

ج: من المفارقات العجيبة في  الحراك الأخير الذي يعيشه العالم العربي، أنه خلال الانتفاضات الشعبية الأخيرة نجد جزءا هاما من الشارع العربي الذي ذاق محنة الحكم العسكري، هو من يدعو الجيش للتدخل لحسم صراعاته مع حكامه. و ينسى هذا  الشارع العربي كيف أن التجارب الانقلابية لم تستطع حقيقة أن تفرض منهاجا تطوريا يتناسب والتطورات الدولية، بقدر ما فرضت أوضاعا سياسية شمولية لم تؤد سوى إلى هزائم وطنية وقومية مريرة مازال العالم العربي يدفع ثمن فاتورتها حتى اللحظة

المغرب نفسه عاش مرارة محاولات فاشلة  انقلابات عسكرية عبرت عن طموح وجشع بعض الرموز العسكرية في الجيش المغربي الذين أرادوها ديكتاتورية عسكرية تتلاءم والأنماط التي سادت في الشرق العربي .

الحالة التونسية، أخذت مع ذلك منحى إيجابيا لتدخل الجيش الذي حصر مهامه في تأمين عملية نقل السلطة لا غير. أما في مصر، فالجيش يأخذ موقفا وسطيا بين حماية الشعب من بطش لمؤسسات الأمنية المساندة لمبارك و لحزبه الحاكم، و بين الحرص على الإشراف على نقل سلس للسلطة بطريقة تعطي ضمانات دولية للدور المصري الإقليمي خاصة، بالنظر لاتفاقية السلام مع إسرائيل.

أما في الجزائر، فالوضع أكثر تعقيد، لأن فعاليات المجتمع الجزائري تعلم أن التمرد الشعبي ضد النظام معناه المواجهة المفتوحة مع الجيش، مادامت نخب الجيش هي التي تتحكم في دواليب الدولة. و من تم فالمهمة الصعبة هي فك الارتباط بين الجيش و الفريق الحكم المدني في سدة الحكم.


موضوعات مشابهة

مشاركة